محمد عبد الكريم عتوم

23

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

وحُمّلت بدلالات تصب في خدمة ثقافة الاستبداد وتعزيزها ، وإما بالعسف والقهر ، وأما بالتأويل المغرض الفاسد . ومع بزوغ الصحوة الإسلامية على اختلاف مظاهرها ومجرياتها ، برز واقع جديد في العالم الإسلامي ، وألقى مهمة تاريخية على عاتق مفكري الإسلام التربويين والدينين والسياسيين ، كي يرتادوا للمسلمين أفقاً أرحب ، ومستوى أعمق على صعيد بلورة المشروع الإسلامي وفق رؤية شاملة ، وهذا يتطلب من علماء السنة والشيعة ، والمؤسسات التربوية والدينية ضرورة المراجعة الجادة الناقدة للتراث ومناهجه ، لتقويمه وتطويره وتأسيس الاجتهاد الفقهي على منهج علمي متجدد . إن التمذهب قد ترسخ عندما تكاثر المجتهدون لدى المسلمين ، وخشوا من الفوضى ، فتواضعوا من تلقاء أنفسهم ، دون أن يأمرهم بذلك حاكم ، على نحو سبعة مذاهب ، أربعة سنية ومذهبيين شيعيين ، ومذهب خارجي ، والتزموا تلك المذاهب طوعاً ، فنظموا أنفسهم تنظيماً دقيقاً . ولكن بعد تطاول العهود تصبح الجولة للتجديد ، وليس للجمود والتقليد ، لأن الحاجة لقوم يجددون ولا يقلدون ويأمرون الناس بالخروج من التمذهب والعصبية المدرسية الضيقة « 1 » . إن القضايا التي تجابه المجتمع الإسلامي ، هي قضايا سياسية شرعية عامة بالدرجة الأولى أكثر منها خاصة ، وهي قضايا سكت عنها الفقهاء كثيراً ولا تكاد تجد لها أثراً في كتب أصول الفقه وأصول الأحكام ، ذلك أن الحكومات المتعاقبة كانت تتولى الحكم بالوراثة أو بالغلبة ، ولم تكن بحاجة لكي تطلب من المسلمين حق الطاعة ، ولذلك أغفلها الفقهاء وجردوها من حق وضع الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين . وأما حكومات المسلمين اليوم فهي في نظر معظم الفقهاء حكومات جاهلية ، تتخذ من الإسلام غطاء وواجهة لتبرير وجودها ومشروعيتها ، وهي في جوهرها صنيعة القوى الاستعمارية ، ولذلك استمر الفقهاء بإغفال البحث في الفقه السياسي الإسلامي . إن الحاجة تبدو ماسة لفقه معاصر ، كما الحاجة لقوم يجددون ولا يقلدون ، فلا بد من توليد فقه للتدين ، يكيّف حياتنا العامة في مجالات السياسة والاجتماع ، والعلاقات الدولية ، بحيث نتجاوز

--> ( 1 ) - الترابي ، 1990 ، 171 .